الشيخ محمد إسحاق الفياض

211

المباحث الأصولية

وثالثا : إن الغرض من الوضع هو اشباع حاجة الناس ، ومن الواضح أن الوضع بإزاء المعاني الكلية المتأصلة لا يكفي لاشباع حاجاتهم ، ولا يغني عن الوضع بإزاء غيرها . وإن أريد منها مطلق المعاني الكلية الأعم من المتأصلة والاعتبارية والمنتزعة ، فيرد عليه أن المعاني الكلية بهذا العرض العريض غير متناهية كالمعاني الجزئية ، لوضوح أن المعاني الكلية الاعتبارية التي تنتزع من ملاحظة مجموع أمرين أو أمور بعد الباسهما ثوب الوحدة اعتبارا غير متناهية كمراتب الأعداد ، فإنها تذهب إلى مالا نهاية له ، ومفاهيم الدار والبستان والمدينة والقرية والغرفة والفوق والتحت واليمين واليسار وهكذا ، حيث إن أي مفهوم اعتباري يفترض يمكن أن ينتزع منه ومن مفهوم آخر عنوان انتزاعي آخر ، وهكذا إلى مالا نهاية له . وثانيا : أن عدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ لا يتطلب ضرورة وقوع الاشتراك في اللغات ، بمعنى تعدد وضع لفظ واحد لأكثر من معنى ، وذلك لامكان الاستغناء عنه بالوضع العام والموضوع له الخاص ، بل بالوضع العام والموضوع له العام . وثالثا : إن سعة الوضع إنما هي تتبع سعة حاجة الانسان ومتطلبات حياته في كل عصر ، من عصر الانسان البدائي منذ نشوء ظاهرة اللغة إلى العصر الحديث المتطور . وحيث إن متطلبات حياة الانسان مهما تطورت وتوسعت عصرا بعد عصر فتكون محدودة ، على أساس أن الانسان محدود ومتناه ، وليس بوسعه إلا تصوير المعاني المحدودة والمتناهية وابرازها للآخرين عندما تدعو الحاجة إليه . وعلى هذا فلا محالة يكون الوضع محدودا تبعا لمحدودية الحاجة ، ومن